مقالات الرأي

محرقة إدلب تُشعل ثياب «أردوغان» وآخرين

أردوغان الذى تلاسن، منذ أسابيع، مع الرئيس الفرنسى ووصفه بأنه يحتاج إلى مراجعة سلامته الدماغية، باعتبار الأخير سبقه فى تسديد لكماته إلى حلف شمال الأطلنطى «الناتو»، مطالبا أعضاءه بالالتفات إلى أنه يعانى منذ وصول «ترامب» للقيادة الأمريكية، من موت سريرى أو أزمة إكلينيكية حادة لها علاقة بالرأس على وجه الخصوص.

الرئيس التركى اليوم، يستصرخ الطرفين الأوروبيين الأكثر نفوذاً وقدرة داخل الحلف، لتقديم العون له أمام ما يتعرض له مؤخراً داخل أتون «محرقة إدلب»، فوفق ما ذكره بيان مكتب الرئيس التركى أجرى «أردوغان» الجمعة الماضى اتصالين متتالين، مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، طالب فيهما بضرورة تقديم «الدعم القوى» لوقف هجوم الجيش السورى ومؤيديه فى إدلب، من أجل منع حدوث أزمة إنسانية وشيكة، بحسب نص كلمات البيان التركى.

رغم الأزمة.. مقربون من أردوغان ينفقون ٥٠٠ مليار  ليرة سنويًا على الطعام

وكالة «بلومبيرج» رأت فى التحرك التركى الأخير، أنه بعد سنوات من الهجوم على «الناتو» وتخوين شركائه فى حلف شمال الأطلسى، يجد رئيس النظام التركى رجب أردوغان نفسه بحاجة إليهم فى نهاية الأمر. بل ووصفت تلك الاتصالات بـ«التوسل» من أجل دعمه فى صراع يحمل بقوة نذر تقويض العلاقات الودية التى بناها مع موسكو، حيث يأتى هذا التحول مع تصاعد خطر حركة اللاجئين الجماعية نحو تركيا، وفى ظل الهزائم التى تتكبدها المنظمات المتطرفة الموالية لتركيا فى سوريا. ملامح الورطة التركية بادية بصورة كبيرة، ففى الوقت الذى تؤكد فيه أنقرة أنها ستتجنب أى مواجهة مع القوات الروسية، فإن الضغط الداخلى على «أردوغان» للرد يتزايد مع تزايد عدد الضحايا الأتراك، خاصة العسكريين منهم، الذين جرى الاعتراف بسقوطهم فى جنازات رسمية، شكلت ملمحاً شعبياً إضافياً ضاغطاً على «أردوغان». كما يتعرض الجانب التركى لضغوط حادة على الصعيد الميدانى السورى، فعلى الرغم من الضمانات الأمنية المتفق عليها سلفاً فى «سوتشى»، والتى بموجبها جرى التوافق على انتشار نقاط مراقبة عسكرية تركية فى (12 موقعاً) فى إدلب، وغرب حلب وشمال محافظة حماة. لم تقدم تركيا حتى الآن، حماية فعالة للتنظيمات المسلحة ولا للسكان المدنيين من هجمات قوات الجيش السورى أو القوات الروسية المشاركة.

أردوغان يكمم أفواه الصحف للتعتيم على فساد صهره في قناة أسطنبول

ملامح الأزمة الإنسانية التى شارك «أردوغان» بأدوار جوهرية فى تشكيلها، هى موجة النزوح الهائلة لعدد يقارب (700 ألف نسمة) خرجوا من ديارهم، على وقع العملية الأخيرة التى ينفذها الجيش السورى، باتجاه الشمال السورى الممزق بالأصل من حيث الولاءات وأنماط السيطرة الميدانية، والجزء التالى للمشهد الذى هو على شفا الوقوع ما بين لحظة وأخرى، أن قوات الجيش السورى لا تبعد سوى بضعة كيلومترات من مدينة إدلب التى تعد مركز المحافظة، ويسكنها ويتكدس فيها وحدها نحو (مليون نسمة). هذا بالطبع ينذر بتضاعف موجة النازحين المدنيين، الذين تُركوا ليواجهوا مصيرهم بمفردهم، ولم يعد لدى هؤلاء سوى خيارات محدودة، إذ لا يستطيعون البقاء أو العودة إلى منازلهم، كما أن مغادرة سوريا ليست متاحة أمام هؤلاء فما زالت طرق الخروج الوحيدة عبر تركيا مغلقة، ليبقى الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو التوجه إلى مخيمات اللاجئين، فى البؤر القليلة الواقعة فى شمال سوريا، التى تخضع مباشرة لسيطرة الجيش التركى. ولا يوجد حتى اللحظة ولا فى الأفق القريب تصوُّر تركى حول آلية للتصرف فى حال بدأت فعلياً تلك الموجة الجديدة من النزوح، فهناك عبء (3 ملايين لاجئ) موجودين بالفعل على الأراضى التركية، ظن «أردوغان» أنه يمكن التخلص منهم عبر دفعهم إلى المنطقة الآمنة، التى يخطط النظام السورى والروس لحرمانه منها أو تقليصها على الأقل لأدنى مساحة ممكنة.

بسبب الأزمة الاقتصادية.. الاحتجاجات العمالية تلغي زيارة أردوغان لإحدى البلديات

طوال سنوات الأزمة السورية، كان «أردوغان» يظن أنه من خلال الإمساك بتلك الأوراق العديدة، التى للمفارقة ضمت حتى اللاجئين على الأراضى التركية والنازحين فى سوريا داخلياً، أن أنقرة بذلك قادرة على أداء دورها ببراعة فى مباراة جيوسياسية طموحة، وتوسعت فى هذا الأمر للحد الذى دخلت به بتلك المعطيات إلى حد التقافز ما بين الحلفاء والمتنافسين على حد سواء. اليوم يبدو المشهد وقد انقشع الكثير من ضبابه على مكونات أقرب للمستنقع الكامل، فتركيا وجدت أن قواتها قد استنزفت مع بداية فصل الخسائر البشرية التى تواجهها، بعد أن ظلت لسنوات تحارب ببنادق آخرين ومن خلف صدور العملاء والموالين. خلال شهر واحد فقط اضطرت أنقرة للدفع بما يقارب (1000 آلية عسكرية)، من أجل إنقاذ (5 نقاط مراقبة) عسكرية تركية من أصل (12 نقطة مراقبة)، محاصرة من قبل قوات الجيش السورى وبدعم ظاهر من الجانب الروسى، وهذا فى حد ذاته يقيد حركة الجانب التركى ويضبط ردود فعله المتوقعة فى حال لجأ إلى الاشتباك العسكرى المباشر، كأحد الحلول المطروحة أمامه من أجل إيقاف نزيف الخسائر، فهذه النقاط جميعها تتعرض اليوم لخطر بالغ رغم تفوق الجيش التركى على نظيره السورى. تلك المعادلة الأخيرة ظلت ميزة بدأت تتبخر الآن من أيدى العسكريين الأتراك، تحت ضغط معادلات السياسة الزلقة التى تجبر «أردوغان» اليوم على تقييد العمل العسكرى مضطراً.

مفاوضات جنيف.. سياسة هشة واعترافات تفضح إرهاب «أردوغان والسراج»

ففى ظل الاستنجاد التركى بالحلفاء القدامى، صار يواجه اليوم شروطاً أمريكية إضافية تحدد له مسارات الحركة حال اختار أن يسلك طريقه إلى الحظيرة. فأنقرة التى تجادلت طويلاً مع واشنطن بشأن تزويدها بـ«نظام باتريوت»، ترفض اليوم إدارة الرئيس ترامب بيع صواريخ باتريوت إلى تركيا، ما لم تجمد كافة أشكال التعاون مع الجانب الروسى على صعيد الملفات المتعددة التى ذهبت أنقرة فيها بعيداً عن سياسات الحلفاء. لكن الواقع أيضاً يقول إن هؤلاء الحلفاء، بمن فيهم الولايات المتحدة، ليسوا بعيدين كثيراً عما يعانيه «أردوغان»، فهم ربما فى ذات المأزق، الذى جعل نيران المحرقة تطال ملابسهم رغم محاولتهم عدم الظهور على تلك الصورة، إنما فى حال ظهورهم كرباعى ميركل وماكرون وبوتين مع أردوغان، وفى أنقرة كما يشاع بأنهم سيلتقون الأسبوع القادم، حينها باعتبار الزمان والمكان سيكون بمثابة اعتراف كامل بأن النيران قد طالت الجميع دون استثناء!

خالد عكاشة نقلًا عن «الوطن المصرية»

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق